الشيخ الطبرسي

291

تفسير مجمع البيان

والمعنى : لسنا نقول فيك إلا أنه أصابك بعض آلهتنا بسوء ، فخبل عقلك لشتمك لها ، وسبك إياها . ذهب إليه ابن عباس ، ومجاهد ( قال ) أي : قال هود لقومه ( إني أشهد الله واشهدوا ) أي : وأشهدكم أيضا بعد إشهاد الله ( أني برئ مما تشركون من دونه ) أي : إن كنتم تزعمون أن آلهتكم عاقبتني لطعني عليها ، فإني على بصيرة في البراءة مما تشركونه مع الله من آلهتكم التي تزعمون أنها أصابتني بسوء ، وإنما أشهدهم على ذلك وإن لم يكونوا أهل شهادة ، من حيث كانوا كفارا فساقا ، إقامة للحجة عليهم ، لا لتقوم الحجة بهم ، فقال هذا القول إعذارا وإنذارا . وقيل : إنه أراد بقوله اشهدوا واعلموا كما قال شهد الله أي : علم الله . ( فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) أي : فاحتالوا واجتهدوا أنتم وآلهتكم في إنزال مكروه بي ، ثم لا تمهلوني . قال الزجاج : وهذا من أعظم آيات الأنبياء ، أن يكون الرسول وحده ، وأمته متعاونة عليه ، فيقول لهم : كيدوني فلا يستطيع واحد منهم ضره . وكذلك قال نوح لقومه : ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) الآية . وقال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم : فإن كان لكم كيد فكيدون . ومثل هذا القول لا يصدر إلا عمن هو واثق بنصر الله ، وبأنه يحفظه عنهم ، ويعصمه منهم . ثم ذكر هود عليه السلام هذا المعنى . فقال : ( إني توكلت على الله ربى وربكم ) أي : فوضت أمري إلى الله سبحانه متمسكا بطاعته ، تاركا لمعصيته . وهذا هو حقيقة التوكل على الله سبحانه ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) أي : ما من حيوان يدب على وجه الأرض ، إلا وهو مالك لها ، يصرفها كيف يشاء ، ويقهرها ، وجعل الأخذ بالناصية كناية عن القهر والقدرة ، لأن من أخذ بناصية غيره ، فقد قهره وأذله . ( إن ربي على صراط مستقيم ) أي : إنه سبحانه مع كونه قاهرا على عدل فيما يعامل به عباده ، والمعنى أنه يعدل ولا يجور . وقيل : معناه إن ربي في تدبير عباده على طريق مستقيم ، لا عوج فيه ، ولا اضطراب ، فهو يجري على سبيل الصواب ، ويفعل ما يقتضيه الحكمة ( فإن تولوا ) هذا حكاية عما قاله هود عليه السلام لقومه والمعنى : فإن تتولوا . ويجوز أن يكون حكاية عما قاله سبحانه لهود ، والمعنى : فإن تولوهم ( ف‍ ) قل لهم ( قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ) أي : ليس ذلك لتقصير مني في إبلاغكم ، وإنما هو لسوء اختياركم في إعراضكم عن نصحي ، فقد أبلغتكم جميع ما أوحي إلي .